رجال في زمن قل فيه الرجال

يقول جلال الدين الرومي
“السلام على الضاحكين وفي قلوبهم سنين بكاء. أولئك الذين قرروا العيش ولم تحالفهم الحياة بعد”
يحدث الآن في إحدى بلدان الشرق الأوسط انتفاضة ضد نظام حكم تبعي قمعي ماهو إلا امتداد لمن حكموا هذا البلد من أسلافهم، نفس النهج ونفس الطريقة، وإن اختلف المسمى الحزبي أو العقائدي شكلآ لا مضمونآ. هذا البلد هو العراق، بلد من أغنى البقاع على وجه الأرض. مياه عذبة، أراضي واسعة، تنوع جغرافي، موارد طبيعية لها أول وليس لها آخر. سبعون بالمائة من ساكني العراق اليوم هم من الشباب، وبكلمات أخرى طاقات إنتاجية، تمتلك العراق الاحتياطي النفطي الثاني على مستوى العالم وحضارة وآثار تمتد لأكثر من خمسة آلاف عام، ذات موقع جغرافي متميز.
منذ سنة 2003 إلى يومنا هذا (سنه الفان وثلاثة هو تاريخ دخول القوات الأمريكية للعراق والإطاحة بنظام صدام حسين، اختلفت التسميات فمنهم من دعاه تحرير العراق والبعض الآخر دعاه احتلال العراق، اختلفت التسميات والنتيجة واحدة: وضع من متردي إلى سيء إلى اسوأ).

الأحزاب التي استلمت مقاليد الحكم في العراق حتى يومنا هذا هي في الغالب أحزاب دينية لتكسب ود وتعاطف الشعب وإن اختلفت عقائده فلكل عقيده حزب اتخذ اسماً ليرضي أتباع هذه العقيدة. أول الأمر كان كل فريق بما لديهم فرحين لكن شيئاً فشيئاً بدأت الأقنعة تتلاشى وبات التعثر والزلات والتخبط ظاهراً للعيان. كل شي كان متهالكاً في زمن صدام حسين الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في زمن من تبعوه. فلم تكن هنالك تنمية ولا اهتمام بتعليم أو صحة، ناهيك عن القطاعات الانتاجية المتمثلة بالزراعة والصناعة وغيرها، وحيث لايوجد اي منشأت تطوير في هذا البلد الذي فعلت به الحروب المتتالية مافعلت وانهكته وخّلفت أجيالاً من الجهلة الذين لهول مارأوا بدا لهم أن المطالبة بحقوقهم ليست مشروعة وأنه عليهم العيش بما يمنّ به عليهم من يعتلي هرم السلطة، أياً كان.
ولكن، لنكن شاكرين لعالم التكنلوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي التي ربّت وانشأت جيلاً تابع وقرأ واطّلع على تجارب شعوب أخرى تتمتع بالديمقراطية والرفاهية رغم أنها لاتمتلك من الثروات عُشر مايمتلكه العراق. الجيل الذي قرّر ألا يعيش في قوقعة الأجيال التي سبقته، والتي رضيت ان تكون ظلاً، وأن تعيش على الفتات. يقول الشاعر الجواهري قبل عشرات السنين “سيخرج من صميم اليأس جيل جبار عنيد”. إنه الجيل الذي تلى 2003، جيل لم يعرف يوماً معنى الحياة الكريمة التي يعيشها أبناء نفس جيله على بقاع مختلفة من وجه الأرض التي يتشاركون العيش عليها. والسبب هو هيمنة الطبقة السياسية والدينية الحاكمة على مقدرات بلاده، وما يحوم حولها من مليشيات ومنتفعين اقتادوا العراق إلى طريق الهلاك.

مايحدث الآن ماهو إلا نتاج تراكم صبر وتحمل الشعب العراقي إلى أن وصل إلى نقطة اللاعودة والبدء بمطالبة بإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة وأحزابها. اشتعل فتيل الأزمة عندما قام رئيس الوزراء المستقيل، شكلياً، بإقالة قائد عسكري ميداني يدين له العراق بالفضل لتخليصه له من داعش. هذا الرجل هو رمز لابن البلد المحب أكثر من كونه قائداً عسكرياً او ميدانياً فكان عزله القشة التي قسمت ظهر البعير. بدأت المطالبة بإعادته لمنصبه ولما تظاهرت الحكومة بالعمى عن مطالب الناس، تطورت المطالب بعزل الحكومة وكل الأحزاب السياسية الحاكمة أو المشاركة بالعملية السياسية.
بدأت الانتفاضة بعد دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لحشد الناس وحثهم على الخروج والمطالبة بالاصلاح باديء الأمر، وكردة فعل معتادة من الحكومات في الشرق الأوسط، تم التقليل من أهمية ثورة الشعب وشرعية مطالبه. وقد تطورت المطالب التي كانت تنادي بالإصلاح فحسب إلى مطالبة بالتغيير الجذري رافضين أي مبادرات تنذر بحلول وقتية أو بوعود كاذبة. كان الموعد المقرر هو الخامس والعشرين من تشرين الاول 2019 وقد سبق هذا الموعد احتجاجات استمرت لأكثر من شهرين متتاليين قادها حملة شهادات الدكتوراه والماجستير مطالبين بتوفير فرص عمل كريمة لهم. ولما قوبلت هذه الاحتجاجات بالقمع والقوة بات ذلك السبب التالي لخروج المتظاهرين ضد الأحزاب السياسية وكافة ممثليها.
بدأ التجمع في ساحات التظاهر في العاصمة بغداد والعديد من المدن الأخرى في وسط وجنوب العراق. وكسابقاتها، افتقدت الحكومة العراقية الحالية، وجود لغة حوار أو نية لتلبية مطالب الشعب، بل على العكس تمامآ حيث قامت الحكومة العراقية مستعينة بأجهزتها القمعية وأحزابها والميليشيات التابعة لها بقمع التظاهرات. أدى ذلك منذ الخامس والعشرون من تشرين الثاني وحتى منتصف كانون الأول إلى سقوط أكثر من خمسمائة شهيد، ما يتعدى العشرون ألفاً منهم قد قتلوا باستخدام عبوات الغاز المسيل للدموع، والتي باتت اليوم تستخدم لأغراض عسكرية بحجمها الذي يبلغ خمسة اضعاف القنابل العادية، ومنهم من قتل بالذخيرة الحية أو بالاختطاف ومن ثم التصفية. المضحك المبكي في الأمر ان الحكومة العراقية تتهم المتظاهرين أو ما دعتهم بال”طرف الثالث” بقتل المتظاهرين ولا أحد حتى الآن يعلم من هم “الطرف الثالث”.
من أكثر ما يدعو للفخر في هذه المظاهرات هو تكافل الشعب وتلاحمه وظهور أبطال سطروا بصمودهم أروع الأمثلة عن المواطن العراقي الشاب الثائر. أحد اشكال هوؤلاء الأبطال هم سائقوا التكاتك (تكاتك هي جمع تكتك، والتكتك هو عبارة عن عربة من ثلاث عجلات. ملاك التكاتك هم في الغالب شباب من مناطق فقيرة من بغداد، المناطق التي عانت من التهميش على مرّ عشرات السنين من الحكومات التي تتالت على حكم العراق). كان هوؤلاء الشباب يعملون يوميآ على هذه العربات لتوفير قوتهم اليومي، لا اكثر ولا أقل. لكن مالبث أن سطع نجمهم في المظاهرات، من خلال استقتالهم وتحديهم للخوف ومن خلال مشاركتهم في إسعاف الأرواح ونقل المصابين من نقاط التماس مع مليشيات النظام وقواته الى المستشفيات أو نقاط الاسعاف الميدانية. هوؤلاء الشباب الذين نشؤوا في كنف الفقر والعوز أظهروا للعالم كم هم أغنياء بما يملكون من العزم والشجاعة؛ لقد قدموا مصلحة العراق على مصلحتهم الشخصية بمواردهم المحدودة التي بالكاد تؤمن لهم قوت يومهم. يقال أنه قد حاول البعض من ذوي الأيادي البيضاء التبرع لهوؤلاء السائقين بثمن الوقود لكنهم رفضوا مؤكدين أن العراق أهم من الأموال “لأن الأموال تأتي وتذهب ولكن العراق واحد لا يوجد سواه” كما عبر بعضهم. وفي حين أنه لم يسلم المتظاهرون من رصاص وقنابل قوى الأمن نال أبطال التكتوك نصيبهم من قمع الحكومة بالرصاص الحي والاعتقال وحرق لعرباتهم.

إن أروع ماسطر خلال هذه المظاهرات هو سلميتها، ولكن الحفاظ على السلمية هو أكبر تحدٍ يواجه المتظاهرين. إنٌ لكل فعل رد فعل ولاسيما في مجتمع عشائري نشأ أغلب ابنائه في ظل حروب متتالية وأصبح اقتناء السلاح لديهم من البديهيات، ويكاد لايخلوا بيت عراقي من السلاح سواء في الريف أو في المدينة. ومع ذلك، تمسك الشباب الثائر بسلميته رغم كل الظلم والجور الواقع عليهم من قبل قوى الأمن وأتباعهم. وقد امتهنت الحكومة العراقية التسويف والمماطلة أملةً بملل المتظاهرين وتخليهم عن مطالبهم بمرور الوقت. لكن هاهم المتظاهرون يواصلون ضغطهم وحضورهم لتغيير الواقع وإن تظاهر العالم وأولهم الحكومة العراقية بالعمى وقاموا بالتقليل من شأن مطالب الشعب ووصف المتظاهرين بالمخربين الداعين لزعزعة “الأمن” المزعوم لدولة التبعية والظلم التي نهش مفاصلها الفساد من أعلى مناصب السلطة الى أصغر موظف فيها فأصبح استغلال الناس وسرقة مقدرات الوطن من المسلمات لدى هذه الطبقة الفاسدة غير آبهين بمستقبل الملايين من الناس القابعين تحت استبداد حكمهم.
الرحمة للشهداء الذين سقطوا، والشفاء العاجل للمصابين، والحريه للمعتقلين القابعين في سجون الظلم، والمجد والخلود للجبال الشامخة في ساحات التظاهر. أنتم غيث العراق بعد السنين العجاف التي مرت عليه. بكم وبسلميتكم وبأصراركم سننتصر. شكراً لكم لكونكم صوت من لاصوت له. أما نحن هاهنا في بلاد الغربة لانملك لكم سوى الدعاء بالنصر ومواصلة نشر قصصكم وأن نستمر في التظاهر من هنا، من بلاد المهجر، نصرة لكم …

 

Bild: Frederick Lang Jr CC